عبد الكريم الخطيب

940

التفسير القرآنى للقرآن

والمثل لهذا ، ما نجد في حياة الوارث الذي يعيش على ما ورث ، وبين العامل الذي يعيش من عرقه وكدحه وجهده . . ! فحياة الوارث حياة رتيبة مملة ثقيلة ، ذات لون واحد ، لا يتبدل ، بينما حياة العامل خصبة مليئة بالحياة والحركة ، وتغاير الطعوم والألوان . ونجد هذا في الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - فأصحاب الرسالات الكبرى منهم ، هم الذين ابتلوا بالبأساء والضراء . . وعلى قدر ابتلائهم كانت منزلتهم عند ربهم . إبراهيم عليه السلام ، ابتلى بإلقائه في النار . . وبالأمر يذبح ولده إسماعيل بيده ، فكان خليل الرحمن وأبا الأنبياء . . وموسى عليه السلام ، ابتلى من أول حياته ، بإلقائه في اليم رضيعا ، ثم بقتله المصرىّ ، وطلب فرعون له ، وفراره إلى مدين . . ثم بلقاء فرعون ، ومواجهته بالدعوة إلى الإيمان باللّه . . ثم كان ابتلاؤه الأكبر في حياته بين بني إسرائيل ، وفي خلافهم عليه ، وشرودهم منه . . فكان كليم اللّه . وعيسى - عليه السلام - نشأ في حجر الابتلاء . . . تنعقد حوله ، وحول أمه التهم والظنون ، حتى إذا ظهر في اليهود ، كان بينه وبينهم هذا الصراع الطويل المرير ، حتى لفّقوا له التهم ، وقدموه للحاكم الروماني ، وطلبوا إليه أن يحكم عليه بالصلب ، حسب شريعتهم ، ولم يسترح لهم بال حتى حكم لهم بصلبه ، وحتى شبّه لهم أنهم صلبوه . . وكان كلمة اللّه . ومحمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - قد لقى من قومه ألوان المساءة في كل لحظة من لحظات تلك السنوات الثلاث عشرة التي قضاها في مكة قبل الهجرة . . فلما هاجر كانت حياته قسما مشاعا بين الدعوة إلى اللّه ، والجهاد